النويري
70
نهاية الأرب في فنون الأدب
الاستخارة . وقيل : لما همّت ثقيف بالارتداد بعد وفاة النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، استشاروا عثمان بن [ أبى [ 1 ] ] العاصي وكان مطاعا فيهم ؛ فقال : لا تكونوا آخر العرب إسلاما وأوّلهم ارتدادا ؛ فنفعهم اللَّه تعالى برأيه . وقال العتبىّ لرجل من عبس : ما أكثر صوابكم [ 2 ] ! فقال : نحن ألف رجل وفينا حازم واحد ، فنحن نشاوره فكأنّا ألف حازم . وسئل بعض الحكماء : أىّ الأمور أشد تأييدا للعقل ، وأيها أشدّ إضرارا به ؟ فقال : أشدّها تأييدا له ثلاثة أشياء : مشاورة العلماء ، وتجربة الأمور ، وحسن التثبّت . وأشدّها إضرارا به ثلاثة أشياء : الاستبداد ، والتهاون ، والعجلة . وقال بعض الحكماء : إذا استبدّ الرجل برأيه عميت عليه المراشد . وقال الفضل بن سهل : الرأي يسدّ ثلم السيف ، والسيف لا يسدّ ثلم الرأي . وقالوا : من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه . وقال بعض البلغاء : إذا أشكلت عليك [ الأمور [ 3 ] ] ، وتغيّر لك الجمهور ؛ فارجع إلى رأى العقلاء ، وافزع إلى استشارة العلماء ؛ ولا تأنف من الاسترشاد ، ولا تستنكف من الاستمداد [ 4 ] ؛ فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبدّ وتندم . وقال حكيم لابنه : يا بنىّ ، إنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما ووجدت هواك يقظان ، فإيّاك أن تستبدّ برأيك ، فإنّه حينئذ هواك . ويقال : تعوّذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة ، ومن عثرات البغى باستقالة الاستخارة .
--> [ 1 ] الزيادة عن الكامل لابن الأثير ، والطبري ، ومعجم ياقوت . [ 2 ] كذا في العقد الفريد ( ج 1 ص 25 ) وأدب الدنيا والدين ( ص 304 ) وفى الأصل « صوابك » . [ 3 ] زيادة عن « أدب الدنيا والدين » ص 306 . [ 4 ] في الأصل « ولا تستنكف من الاستبداد . . . الخ » والتصويب عن أدب الدنيا والدين ص 306 .